عراقيون في المهجر..

 مأساة إنسانية وهدر للطاقات

 مركز الدراسات والتطوير

الهجرة لغة

 هاجر القوم من دار إلى دار: تركوا الأولى للثانية، كما فعل المهاجرون حين هاجروا من مكة إلى المدينة.

الهجرة شرعاً

عرفت بأنها ترك دار الكفر والخروج منها إلى دار الإسلام.

وأعم منه ما قاله الحافظ ابن حجر: "الهجرة في الشرع ترك ما نهى الله عنه"، وهي تشمل الهجرة الباطنة والهجرة الظاهرة، فأما الهجرة الباطنة فهي ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء وما يزيّنه الشيطان، وأما الظاهرة فهي الفرار بالدين من الفتن، والأولى أصل للثانية.

الحرب والبؤس

 اللذان يلفان المشهد العراقي ينتجان مزيدا من الدمار والخراب، و يخلفان هجرة جماعية قد تكون الأكبر في نوعها. فاليوم وفي أكثر من دولة، أصبح ما يعرف بالجالية العراقية أمرا واقعا وهي تتمثل بوجود أعداد ضخمة من العراقيين الذين هربوا من ديارهم نتيجة لأهوال ومخلفات الحرب الأمريكية على بلادهم ليقطنوا تلك الدول.

وكان من آثار هذه الظاهرة أنها تسببت في حدوث حالة تضخم اقتصادي كبير وارتفاع مهول في أسعار العقارات والخدمات، والمواد الغذائية والعديد من السلع الضرورية الأخرى في دول المهجر, وباتت معدلات الأسعار تفوق القدرة الشرائية التقليدية لعموم المواطنين, وتبدو هذه الظاهرة قوية وواضحة جدا في دول كالأردن وسورية ومصر بسبب الكثافة العالية للمهاجرين فيها،في حين تتواجد أعداد أقل من المهاجرين في الإمارات واليمن وشمال أفريقيا.وهناك حذر شديد لدى الجهات الرسمية في هذه الدول حول كيفية التعامل مع هذه الظاهرة المتنامية.

ولأن الوضع العراقي لازال قائما دون أن تطرأ عليه تغيـّرات جوهرية ,وأنّ عمليـّات التطهير العرقي مستمرة فإن أعداد المهاجرين مرشـّحة للارتفاع بصورة مستمرة.

وهنا سؤال مهم يطرح نفسه, وهو من هي الجهة التي ستتحمل فتح ملف المهجرين العراقيين لتبدأ في تشريع أوضاعهم بشكل لائق ؟ ذلك لأن استمرار تجاهل هذه المسألة المتفاقمة سيفتح الباب لتدخل جهات عالمية مختلفة، قد تأتي بحلول لا تكون بالضرورة مقنعة ومرضية للجميع.خاصة مع عدم علمنا بالمدة التي ستستمر فيها هذه المحنة، ومتى ستكتب لها النهاية السعيدة. وتبقى المأساة اللبنانية التي استمرت لأكثر من عشرين عاما مثالاً حياً في الذاكرة، لتوضح للحكماء أن المشهد العراقي وتبعاته بحاجة لوقفة جادة للحد من التكلفة الإنسانية والنزيف الآدمي الذي تتسبب فيه.

و هناك ملفات ضخمة تتعلق بالجاليات المهجرة يجب النظر فيها، وخصوصا في مجالات العمل والصحة والقضاء والتعليم والحقوق المدنية كالزواج والطلاق والإرث، وهي جميعا بحاجة لنظرة جادة وفعالة حتى يكتب لهذه التغريبة العراقية أن تكون كريمة وإنسانية، ولا تضيف لأوجاع من تعذبوا وتشردوا بدون ذنب. ومن الجدير بالذكر أن هناك دولاً كالسويد والدنمارك وكندا ونيوزيلندا واستراليا رحبت بوجود الجاليات العراقية بينها وقدمت حلولا إنسانية لأوضاعها دون أن تكتفي بالنظر وبدهشة لارتفاع أسعار العقارات وغلاء السلع فقط كنتاج لوجودها.

تطور واتجاه الهجرة

وتعد ظاهرة هجرة العراقيين إلى الخارج بإعداد كبيرة ظاهرة حديثة إذ لم يعرف تاريخ العراق المعاصر لها مثيلا باستثناء هجرة اليهود العراقيين إلى إسرائيل بعد قيامها في الفترة 1948-1951 . وكانت أعداد قليلة من العراقيين تهاجر إلى الخارج قبل مجيء النظام الزائل إثر انقلاب 1968. وهذا يعود لقلة ميل العراقيين لترك بلدهم حتى في الفترات التي كان العراق يشهد فيها معدلات بطالة مرتفعة . فقد بلغ عدد العراقيين المسجلين في الخارج 42464 في عام 1957 منهم حوالي 31000 عاملا  أي بنسبة 74 % في الكويت .وقد تناقص  العدد الأخير إلى 25897 في عام 1965. ويشير تعداد عام 1965 إلى وجود 3145 شخصا يحملون الشهادات العالية خارج العراق منهم 503 يحملون شهادة أعلى من البكالوريوس أو الدبلوم و 269 يحملون شهادة الدكتوراه في مختلف الاختصاصات.

بدأ تيار الهجرة يتصاعد بعد انقلاب 1968 نتيجة سياسات القمع السياسي والفكري  والتبعيث القسري والتمييز القومي والديني والمذهبي والمناطقي  التي انتهجها نظام البعث مما دفع أعدادا من المواطنين للهجرة وبالأخص من الكوادر المتخصصة وأصحاب الكفاءات. وطبقا لبحث أعدته منظمة العمل العربية بلغ عدد المهاجرين العراقيين من أصحاب الكفاءات 4192  خلال (1966-1969 ) إلى الولايات المتحدة و204 إلى كندا.

وفي دراسة أخرى صادرة عن الأمم المتحدة عام 1974 قدر أن 50% من حملة الشهادات الجامعية الأولى (البكالوريوس) في العلوم الهندسية و 90% من حملة شهادات الدكتوراه  هم  خارج العراق.

وتشير دراسة أخرى إلى أن عدد الذين ولدوا في العراق وغادروا إلى الولايات المتحدة خلال عام 1977 بلغ 2811 مهاجرا وأن 634 منهم كان سكنهم الأخير قبل الهجرة العراق . ولو قدر أن 5% من الذين هاجروا من هؤلاء إلى الولايات المتحدة هم من الأجانب الذين ولدوا في العراق فأن النسبة الباقية مع ذلك تبقى عالية جدا .

 أضف إلى ذلك تزايد أعداد الطلبة الذين درسوا في الخارج ولم يعودوا فحتى عام 1970 لم تعد إلى العراق النسب التالية من الخريجين من الدول التي درسوا بها : الولايات المتحدة الأمريكية ( 38,5 % ) ، ألمانيا الاتحادية ( 23% ) ، بريطانيا ( 15%) ، البلدان الاشتراكية (8,5%) ، بلدان أوروبا الغربية (6,6%) ، البلدان الأسيوية غير العربية ( 4,8%) والبلدان العربية ( 3,6%) . وقد تصاعدت  هذه النسب في الثمانينات بسبب عدم رغبة الكثير من الخريجين في أن يكونوا وقودا للحرب . وقد اعترفت أوساط النظام السابق في عام 1999 بأن عدد الأكاديميين وأصحاب الكفاءات العلمية من العراقيين الذين تركوا العراق وأقاموا في الخارج زاد على 23000.

إنّ الدليل الذي يؤكد كثرة الكوادر وأصحاب الكفاءات التي كانت تقيم في الخارج هو الحملة الواسعة التي قام بها النظام في أوائل السبعينات بإرسال وفود رسمية عالية المستوى لإقناع هؤلاء بالعودة إلى العراق وذلك بتقديم الامتيازات وتحديدها بإصدار القوانين والقرارات. ولكن رغم ذلك عاد القليل منهم وحتى الذين عادوا ، هاجر معظمهم مرة ثانية ، بسبب عدم وجود مقاييس موضوعية لتقييم الكفاءات على المستوى الرسمي ، والمضايقات التي تعرضوا لها ، ومن أبرزها سياسة التبعيث القسري وانعدام حرية التعبير.

وبسبب الحملات العسكرية التي نفذها النظام لقمع الحركة الكردية اضطر الآلاف من المواطنين الأكراد إلى اللجوء إلى إيران عاد منهم إلى العراق 100000  في عام 1975 . وطبقا للتعداد السكاني لعام 1977 بلغ مجموع العراقيين المقيمين في الخارج 142280 نسمة.

وفي 1978 دشن النظام حملة جديدة من القمع السياسي والفكري رافقها الاعتقال والتعذيب والإعدام ضد القوى المعارضة له مما اضطر الآلاف للجوء للمنافي. كذلك فإن حملة القمع والتصفيات ضد القوى والأحزاب الإسلامية التي بلغت ذروتها في الثمانينات أدت كذلك إلى هجرة عدد غير قليل من العراقيين. وانخفض عدد طلاب المدارس الدينية في النجف الأشرف في ظل نظام البعث ليصل إجمالي عدد الطلبة والمجتهدين والكوادر الدينية إلى 150 بحلول عام 1985.

وفي نيسان 1980 بدأ النظام حملة تهجير واسعة شملت الأكراد الفيلية استعدادا لشن الحرب ضد إيران . وشملت هذه الحملة الآلاف من الشيعة . ومن الصعب تحديد رقم المهجرين بدقة فهو يتراوح بين 60000 و200000 وهناك من يرفعه إلى  400000  وطالت هذه الحملة عددا من التجار الذين بلغ عددهم في بغداد  3245 منهم تجار جملة يشغلون 1177 محلا و258 صناعيا وفي البصرة شكل هؤلاء 20% من عدد الصناعيين إضافة إلى أعداد أخرى من باقي المحافظات. هجر هؤلاء إلى إيران بعد أن تمت مصادرة ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة وتجريدهم من وثائقهم الرسمية وتم حجز ما بين 5000-7000 شابا من العائلات المهجرة والتي لا زالت أخبارهم مقطوعة إلى الآن. وفي الحقيقة فإن حملة التهجير هذه كانت لها بدايات ولو بنطاق أضيق في الأعوام 1969-1970 حيث هجر حوالي 50000 عراقي بدعوى أنهم من أصول إيرانية.

وجاءت الحرب العراقية-الإيرانية 1980- 1988 لتدفع المزيد من العراقيين للهجرة,حيث رفض الكثير من المواطنين وعلى الأخص الشباب منهم أن يكونوا وقودا لهذه الحرب العبثية . ولولا منع السفر الذي فرضه النظام في عام 1982 جراء إدراكه تصاعد تيار الهجرة لاستمرت الهجرة  بأعداد أكبر. ومع ذلك بلغ عدد طالبي اللجوء  العراقيين في أوروبا 24750 في 1980-1989 موزعين على 15 دولة .. وقد تصاعد عددهم في الدول الصناعية  بعد السماح بالسفر بعد توقف الحرب  ففي عام  1989  بلغ عددهم 3901 وهذا الرقم مرتفع مقارنة بالسنوات السابقة .. وأعداد أخرى توجهت إلى دول عربية وغير عربية وأقامت بها ولكن ليس كلاجئين, وهذه الأعداد لا يمكن معرفتها بدقة. فمثلا في الكويت هناك تقديرات تشير إلى وجود 100000 عراقي قبل غزوها وفي المغرب يقيم حاليا ما بين 1000-1500 عراقي.

وقد تسارع تيار الهجرة بعد كارثة غزو الكويت في 2 آب 1990 وما نتج عنها من الحرب وقمع الانتفاضة  في آذار 1991 وفرض الحصار الاقتصادي الجائر ضد العراق. ورغم تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء في 1996 فأن هذا لم يخفف من الهجرة بل بالعكس شهد تيارها تدفقا أكبر.

في أعقاب قمع الانتفاضة الجماهيرية حدثت موجة نزوح كبيرة للسكان من كردستان و الجنوب . ففي منتصف نيسان ذكرت التقارير بأن مليونين من المواطنين الأكراد يشكلون حوالي نصف سكان كردستان  نزحوا من مدنهم وقراهم هربا من قوات النظام واتجهوا نحو الحدود التركية -الإيرانية أو نحو الجبال حيث الأمان النسبي. وذكر بأن 500000 منهم عبروا الحدود التركية وأكثر من مليون من الأكراد ومن سكان الجنوب تحركوا باتجاه إيران .وكان الكثير من هؤلاء النازحين على الحدود في ظروف بالغة السوء ينتظرون دخول هذين البلدين .وكان يموت منهم يوميا ما بين 2000-3000 شخصا جراء سوء الأحوال الجوية والأمراض والمجاعة . ونتيجة ضغط الرأي العام سمحت تركيا بدخول النازحين إلى أراضيها بعد أن رفضت في البداية .أما إيران فقد فتحت حدودها وآوت أكثر من 1,3 مليون لاجئا من كردستان والجنوب . وكانت عودة النازحين سريعة إلى كردستان . فإقامة المنطقة الآمنة في الإقليم والعداء الذي واجهه النازحون خصوصا في تركيا كانت دافعا للعودة . لذا كانت هناك عودة أساسية للاجئين من  إيران وتركيا في نهاية مايس (ماي ) 1991 . وطبقا لمصادر الأمم المتحدة فقد عاد 1470000 مواطنا كرديا من هذين البلدين إلى العراق في هذا العام.

وفي منتصف  1991 ذكرت التقارير أن 23000 لاجئا مدنيا و 13000 أسيرا عراقيا من الذين رفضوا العودة إلى العراق وفضلوا اللجوء كانوا في مخيمين في شمال السعودية . ومجموعة أخرى من النازحين وقعت تقنيا خارج نظام اللجوء ( يشترط باللاجئين عبور الحدود الدولية وطلب اللجوء في دولة ثانية ) هؤلاء هم النازحين داخل العراق خصوصا في الجنوب الذين نزحوا في أعقاب القمع الدموي للانتفاضة . وقد بلغ عددهم 700000 في 31/12/1991، وأرتفع إلى 900000 في 31/12/1997  وبهذا يحتل العراق المرتبة الخامسة بين الدول التي لديها أكبر عدد من المواطنين النازحين داخليا.

أن أكبر عدد من اللاجئين العراقيين كان في إيران وبلغ الذروة في 1992 وبعد ذلك بدأ بالانخفاض . حيث ذهبت أعداد منهم إلى دول اللجوء الأخرى بالأخص الغربية وعاد منهم طوعا إلى العراق 149,400 في الفترة 1999-2001 . ومن المتوقع أن يكون العدد الآن قد انخفض أكثر من ذلك بعد الحملة التي شنتها السلطات الإيرانية لإخراج اللاجئين العراقيين من أراضيها وسقوط النظام العراقي في نيسان ( أبريل ) 2003 الذي دفع الكثير للعودة إلى العراق . فقد أعلنت مصادر الهجرة والأجانب في محافظة خوزستان ( جنوب غرب إيران ) عن عودة أكثر من 57,000 مهاجر عراقي إلى بلادهم منذ عام 2003  نحو 50,000 من هؤلاء عادوا بشكل طوعي منهم 30,000 كانوا يقيمون في المخيمات مما أدى إلى إغلاق ثلاثة من أصل ستة مخيمات في المحافظة . أما في السعودية فقد بقى 5400 لاجئا ويعود هذا الانخفاض في عددهم إلى توجه القسم الأكبر منهم إلى بلدان اللجوء الأخرى . لكن يلاحظ منذ سنوات لم تتوجه أي منظمات لجوء إلى مخيم رفحاء للاجئين العراقيين لذلك كان يعيش هؤلاء ظروفا بالغة السوء مما دفع بعضهم للعودة إلى العراق رغم ما كان يتوقعوه من تنكيل النظام بهم . وقد عاد الكثير منهم  إلى العراق في الأشهر الماضية بعد أن زالت مسببات بقائهم في المنفى.

وهناك أعداد من العراقيين في دول أخرى مثل الأردن 450000 و هذا العدد من المتعبين لم يكن يرغب في العودة إلى العراق ولم يتمكن من الذهاب إلى إي دولة أخرى. وبلغ عدد طلبات لجوء العراقيين في عام 1999 في كل من : الأردن 7730 ، تركيا 2470 ، لبنان 1310 ،كندا 360 ، الولايات المتحدة الأمريكية 170 ، تايلاند 130 و باكستان 70 . وفي الكويت بلغ عدد العراقيين الذين هم موضع اهتمام المفوضية العليا لشئون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة 13000 وفي اليمن 2000 لنفس الوضعية في عام 1999. وفي عام 2002 بلغت طلبات لجوء العراقيين في : المملكة المتحدة ( 14945 ) ، ألمانيا (10367) , السويد (5447) ، النمسا(4570) ، اليونان (2587) ، هنغاريا (2006) ، النرويج (1424) ،سلوفاكيا (1245) ، سويسرا (1191) ، هولندا (1022) ، وأعداد أقل في دول أخرى.

في 1990-1999 أرتفع عدد طالبي اللجوء العراقيين في أوروبا إلى  191040 في 19 دولة أوروبية . وبلغ عدد  العراقيين الذين حصلوا على الإقامة واعتبروا مهاجرين  في الولايات المتحدة  45700 في الفترة 1991- 2001  . وحدثت زيادة مهمة في عدد اللاجئين العراقيين إلى أستراليا حيث بلغ عددهم 10,000 في عام 2001 . . وتوجه إلى الدول الصناعية مجتمعة 51005  لاجئا عراقيا في عام 2002 فقط وهو أعلى رقم يسجل وأنخفض العدد السنوي إلى 24700 في عام 2003  . ويبدو أن سقوط النظام ساهم في هذا الانخفاض .وأحتل مجموعهم في الدول الصناعية المرتبة الثانية في الفترة 200-2002 بنسبة 9%  وفي أوروبا حوالي 11% من مجموع طالبي اللجوء  وعلى صعيد العالم احتلوا المرتبة الأولى بعد تراجع أعداد اللاجئين الأفغان في عام 2002 .. وكان النظام السابق  يرغب بهجرة العراقيين ولا يشجع على عودتهم ولم تتغير هذه السياسة إلا بعد سقوطه.

وعند مقارنة الثمانينات مع التسعينات نرى أن أكبر عدد من طالبي اللجوء العراقيين  في أوروبا قد توجه في عقد الثمانينات إلى السويد ما نسبته 32% من مجموعهم في القارة وإلى اليونان  ( 19%) وألمانيا ( 16%) . أما في عقد التسعينات فقد حدث تغير هام في توجههم إذ استقبلت ألمانيا أكبر عدد في أوروبا بنسبة 29% وهولندا ( 19% ) والسويد (13%). ويبدو أن هذا التغير يعود بشكل أساسي إلى نسبة قبول طلبات اللجوء في الدول الأوروبية فكلما كانت النسبة أعلى كان التوجه أكبر.

وحسب الأمم المتحدة فإن اللاجئين العراقيين هم أكثر اللاجئين تشتتا في العالم إذ يتوزعون على ثمانين بلدا. هذا إضافة إلى البلدان الأخرى التي يقيمون فيها ولكن ليست بصفة لاجئين ومن الصعب معرفة أعدادهم فيها بدقة مثل البلدان العربية التي لا تنشر إحصاءات مفصلة عنهم.

من الصعب معرفة العدد الإجمالي للعراقيين في بلدان المهجر لعدة أسباب منها أن الإحصاءات الرسمية دأبت على عدم ذكره.

 ثم أن  العدد عنصر متحرك حيث كانت الهجرة مستمرة من العراق وهناك تكاثر ناتج من الولادات الجديدة في الخارج وهناك وفيات والكثير من هذه الولادات والوفيات غير موثق في السجلات الرسمية العراقية نتيجة مقاطعة العراقيين لسفارات النظام . أضف إلى ذلك فإن التعدادين السكانيين اللذين أجريا في عامي 1987 و1997 (هذا التعداد لم يشمل إقليم كردستان ) أيضا تمت مقاطعتهما من قبل معظم العراقيين في الخارج . ثم هناك دول تحذف الحاصلين على جنسيتها من دولهم الأصلية وتدخلهم في سجلات مواطنيها فمثلا نلاحظ انخفاض مجموع العراقيين في بريطانيا من 24000 في 1994 إلى 18000 في 1998  في الوقت الذي زادت فيه طلبات اللجوء المقدمة من العراقيين في هذه الفترة . ولا يعقل وجود هذا العدد فقط فالتقديرات تحدد عدد العراقيين في بريطانيا ما بين 100000-250000 . وحسب الأمم المتحدة شملت الهجرة إلى جانب التهجير 4,5 مليون عراقي.  تسبب غزو الكويت في حدوث هجرة سكانية قسرية ضخمة لا سابق لها في المنطقة.

موجات الهجرة في العراق بعد غزو الكويت

ويمكن تقسيمها إلى ست موجات هي:

الموجة الأولى

 حدثت في أعقاب الغزو حيث نزح عدد كبير خصوصا من العمال والمهنيين من العراق والكويت إلى الأردن والدول المجاورة.

الموجة الثانية

 في نهاية عام 1990 قدر بأن أكثر من مليون أجنبي ما زالوا في العراق والكويت. وخلال الموجة الأولى من النزوح الضخم صاغت الوكالات الدولية برنامجا للتعامل مع النزوح الإضافي الذي كان متوقعا حدوثه خلال وبعد الحرب . وقد أصبحت الخطة الإنسانية الإقليمية جاهزة للعمل في كانون الثاني ( يناير ) 1991 تماما قبل اندلاع الحرب . وكان متوقعا أن يحدث نزوح إضافي مترافقا مع عدد مهم من اللاجئين العراقيين.

الموجة الثالثة

 تمثلت بالنزوح الضخم الذي أعقب قمع الانتفاضة التي اندلعت في آذار ( مارس ) 1991 في الجنوب وكردستان العراق . ففي منتصف نيسان ( أبريل ) 1991 ذكرت التقارير بأن مليونين من المواطنين الأكراد يشكلون حوالي نصف سكان كردستان نزحوا من مدنهم وقراهم هربا من بطش قوات النظام واتجهوا نحو الحدود التركية والإيرانية أو نحو الجبال حيث الأمان النسبي . وذكر بان 500,000 منهم عبروا الحدود التركية وأكثر من مليون من الأكراد ومن سكان الجنوب الشيعة تحركوا باتجاه إيران.

الموجة الرابعة

 كان النزوح الضخم للأكراد ولسكان الجنوب أسرع حركة لجوء عرفتها المفوضية العليا لشئون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة خلال تاريخها الممتد 40 سنة آنذاك . وكانت العودة أيضا سريعة . فإقامة المنطقة الآمنة في كردستان وتحسن الأمن وتقديم المساعدات، والعداء الذي واجهه اللاجئون الأكراد خصوصا في تركيا كانت دافعا للعودة.  لذا كانت هناك عودة أساسية من تركيا وإيران في نهاية آذار1991.

الموجة الخامسة

 تمثلت في هجرة العراقيين إلى الخارج عقب غزو الكويت وما نتج عنه من الحرب وقمع الانتفاضة والحصار الاقتصادي . ورغم تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء في عام 1996 فأن هذا لم يخفف من الهجرة بل بالعكس شهد تيارها تدفقا أكبر.

مما فاقم الوضع أكثر في العراق هي الوقائع الجديدة على الأرض داخليا وإقليميا، إذ أن تجديد دور الأمم المتحدة جاء بعد أربع سنوات من الحرب التي شنتها الولايات المتحدة عام 2003 وما تلاها من فوضى كان من نتائجها المتسارعة تمزيق المجتمع العراقي وظهور قوى ظلامية وطائفية هي في النهاية قوى إقصائية ومعادية للديمقراطية.

الموجة السادسة والأكبر

 وصل عدد المهجرين العراقيين خارج وداخل العراق الى اربعة ملايين لاجيء حسب احصائية وزارة الهجرة والمهجرين.يتجه الوضع في العراق الآن إلى:

أولا: على المستوى الإنساني

أ. بسبب أعمال التطهير الطائفي والعرقي أصبح ثلث العراقيين لاجئين اليوم، ونصف هؤلاء مهجّرين داخليا. وأبعاد هذه المشكلة شديدة الخطورة كونها تشكل البيئة المناسبة ليس لحرب أهلية فقط، بل لسلسلة من الحروب الأهلية نتيجة المزيج المتنوع لهذا البلد وتاريخه وتاريخ المنطقة بشكل عام.

ب. إن الإحصائيات الأكثر تواضعا تقول ان عدد الضحايا من المدنيين العراقيين بلغ نصف مليون لحد الآن.

ثانيا: على المستوى السياسي والإدارة المحليّة

أ. أصبح التطرف الديني والسياسي في العراق والمنطقة أقوى مما كان عليه في أي وقت مضى. وأصبحت أيديولوجية القاعدة هي القاسم المشترك لمجموعات ما فتئت تتشكل، حتى من دون أن تكون هناك أيـّة علاقة تنظيمية بينها. (لنتذكر انه في عام 2003 عندما تقرر شن الحرب كان أحد الأسباب المعلنة لهذا القرار هو الفرضية الخاطئة القائلة بأن خلايا للقاعدة تعمل في العراق. والآن وبعد أربع سنوات من الأخطاء والتخبط أصبحت هذه الخلايا موجودة فعلا في العراق، بل وامتلكت ترف إدارة شؤون القرى، مثلما حصل قبل عدة أشهر في محافظتي ديالى ونينوى).

ب. وصل المأزق الدستوري في العراق مداه، وإن ثلاثة قوانين طلب الدستور إنجازها وهي قانون النفط والغاز وشكل النظام الفيدرالي وموضوع كركوك تبدو غير قابلة للتحقيق أو لازالت تراوح في مكانها. كما أنّ جميع المقترحات التي طرحت لحلّ هذه المواضيع خلقت مشاكل جديدة بدلا من حلّ المشاكل السابقة، وذلك بسبب أجواء الشك وعدم الثقة المفرطة بين الأطراف المعنية. الشيء الوحيد الذي اتفق عليه العراقيون هو الهروب الى الأمام ولكن باتجاهات مختلفة ومتعاكسة.

ت. لم يعد المشهد السياسي يشهد قيام تحالفات جديدة والتحالفات القائمة آخذة بالانفراط : لقد غادر الصدريون الحكومة كما غادرتها جبهة التوافق وحركة الوفاق الوطني وخرجت كتلة الفضيلة من الائتلاف الشيعي وهناك صدامات دامية بين مجموعات مما يعرف بالمقاومة مع القاعدة .. الخ.

ث. إن التخمينات الأكثر واقعية تشير الى أن عشرين مليار دولار سرقت من موارد الدولة منذ عام 2003.كما أن كثيراً من المسئولين العراقيين، الذين أصبحوا معتادين على قضاء وقتهم في الخارج أكثر مما في العراق، لا يعرفون من العراق غير المنطقة الخضراء التي تعزلهم جسديا بقواطعها الكونكريتية العالية ليس فقط عن المشهد الدموي في البلد، بل وتعزلهم اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا أيضا.

ج. تفاقم الطائفية والتهجير القسري للسكان.

لو قررت الإدارة الأمريكية إعطاء الأطراف الإقليمية والدولية مؤشرات بأنها اقتنعت أخيرا بعدم إمكانية الحل الأمريكي المنفرد للأزمة العراقية، فإنها تحتاج في هذه الحالة الى أكثر من قرار مجلس الأمن الأخير. فهي تحتاج أولا الى الإقرار بأن أفعالها عمقت التمزق والتوتر في منطقة تعاني أصلا من الهشاشة والتعقيدات. بعد ذلك عليها إعادة قراءة الوضع برمته، بضمن ذلك الحلول التي طرحت لحد الآن، والتي كانت إمّا غير مناسبة أو أنها جاءت متأخرة كثيرا. ثم عليها أن تصل في النهاية الى قناعة بأن انطلاقة جديدة وجذرية هي القادرة على أن ترسل رسالة واضحة للشعب العراقي ولقواه الحيّة ولبلدان المنطقة وللمجتمع الدولي بأن عصرا جديدا سيبدأ، وأن نقطة انطلاق هذا العصر الجديد هي قطع الصلة بكل ما جرى بناؤه في العراق لحد الآن على أساس زائف.

ولعل بريق الأمل يكمن في اللحظة التي تدرك فيها كل الأطراف المشتبكة في اللعبة على الساحة العراقية بما فيهم جيران العراق بأن هذا الوضع لا يخدم أحدا, وأنّ عليهم مساعدة العراقيين على تجاوز هذه الأزمة لا العمل على تكريسها، وعلى المجتمع الدولي أن يسعى لإطفاء النيران في العراق قبل أن تمتد الى المنطقة ذات الأهمية البالغة بفعل تاريخها وكذلك لأهمية استقرارها للاقتصاد العالمي.

ولا يقل عن ذلك أهمية هو أن يقتنع العراقيون وأن يفهموا أن المصالحة هي الحل الحقيقي وأن تشييد بنيان راسخ من المواطنة المرتكزة على أسس متينة من الثقة المتبادلة هي لصالح شعبهم الذي عانى الكثير وله كامل الحق أن يأمل بمستقبل أفضل..

وإلى أن تتحقق هذه الأهداف، ومع افتراض اجتماع النوايا الحميدة محليا وإقليميا ودوليا بطريقة سحرية، فسنحتاج الى المزيد من الوقت كما من المؤسف أننا سنقدم المزيد من التضحيات .. قد تبقى بعض الجروح الغائرة وقد تبقى بعض الأجندات متناقضة، ولكن سيبقى العراق وليس غير العراق. لا بد أن نصل في نهاية المطاف الى جوهر الحقيقة وعند ذلك يتوقف هروب اللاعبين الى الأمام ويبدأون التعلّم من جديد على العيش سوية. وإذا لم يحصل كل هذا فإن تعبير (العراق) قد يصبح مثل تعبير (بلاد ما بين النهرين)، جزءا من التاريخ.

 

dirasat@alrafah.org

 

 
 
 

أعلى