ثورة الطف ..

و الحق المغتصب

                                                                                                                                                              حيدر الأسدي (*)

  تعتبر ثورة الطف من حيث منطلقاتها وأساليبها ومن حيث أهدافها نقطة انبثاق مشرقة في حياة هذه الأمة بما تمتلك من إبعاد متنوعة تلتقي جميعاً في خندقٍ وأخدود واحد تشد المتأسين بها وتمنحهم روحاً وفكراً ثورياً وتدفعهم نحو حياة أكثر مواجهة من اجل استعادة المفقود والمغيب استعادة الحرية والكرامة التي غيبتها آلآت القهر وأفكار الاستبداد والتي عملت على طول تسلطها على تنحية الإسلام عن واقع الأمة وجعله حبيس طقس ضيق من الطقوس .

فكانت تلك الثورة المباركة ومن خلال العطاء الذي بذله سيد الشهداء " عليه السلام " " الموقف الإسلامي " و " الحدث الكربلائي " و " الجواب الشافي " لكل التخرصات التي استهدفت طمس معالم الدين الإسلامي وجعلت من المستحيل لماكنات القهر وأفكار الاستبداد ان تسيد وتعلو .. بل عملت على تزييف جميع إشكال وألوان التضليل والاستبداد وكشف الانحراف السياسي – الفكري لماكنات الجور الحاكمة وتصحيح انحرافها وتقويم ارتدادها من خلال النموذج العملي " ثورة الطف " التي وضعت شرعية تغيير السلطة الحاكمة موضع التطبيق وتحريك واقع الأمة والدفع بها نحو مسار أكثر رفاه وارتماء وارتقاء للانعتاق والحرية .

فكان ذلك الموقف الإسلامي المنبه المنذر لكل الطواغيت والعتاة الذين حاولوا أن يبتزوا الأمة ويزيفوا وعيها ويتسلطوا عليها بقوة الآلة .. لهذا اتفقت كل البرامج السياسية ـ الفكرية للأنظمة الحاكمة ( رغم تباين أساليبها ) على الوضع والمنهج الواحد وهو مواجهة ذلك الموقف والعمل على تغييبه عن واقع الأمة كي لا يشكل حافزاً تثويري ومواجهة وبالتالي إسقاط الأقنعة المزيفة التي تتآمر على مقدرات الأمة باسم الإسلام والشرعية .

وعلى ذلك كان لابد أن تقرأ ثورة الطف على أساس بعدها التقدمي الشمولي الأوسع دلالة من المكان الذي دارت رحى الحرب فيه لتعطي المديات الأبعد من مدى اليوم الذي حدثت فيه ولندرك الواقع المميز الذي أفرزته في دلالة الصراع السياسي الفكري بين القوة الغاصبة والحق " المغتصب " من خلال معسكرين متباينين .

شَكّل المعسكر الأول ... جانب السلطة الغاصبة ومؤيدها ممن غاب لديهم الوعي الإسلامي بفعل تأثير السلطة وتضليها وتغييبها للحقائق والعمل على تحويل ما هو مغتصب إلى حق شرعي ودفع هذا الحق لإعطائه الصفة الشرعية بوسائل دراماتيكية مفعلة من اجل تكريس هذا الجانب واعتباره المنحى الإسلامي الوحيد وان ما عداه أجنبي وخارجي عن الإسلام تجب مقاطعته ومحاربته والقضاء عليه ..

فالزعيم الأول " معاوية بن أبي سفيان " أعلن في خطابه إن ما حققه ليس بإرادة الأمة ورغباتها في تبني مشروع الطاعة والولاء وإنما بآلات القهر والاستبداد " لا بمحبة وليتها – يعني الخلافة – ولكني جالدتكم بسيفي هذا مجالدة " ليعطي البعد الاستراتيجي لحكمه القائم على قوة الآلة والاستعباد وتفويضٌ للبنى التحتية للمفاهيم الإسلامية واستنزافها وتدميرها وإلباسها حلية جديدة من بروز خاصة حسب ما يدعيه مزاجه الاستبدادي وبالتالي إخضاع الجمهور الذي تحكمه هذه الأجندة للضغط أسهل بزيادة هامش التبعية وإقصاء التعسكر الطبيعي للحركة الشعبية تحت القيادة المعصومة مما يعني دراماتيكياً استحكام المنافذ الشعبية الجماهيرية الهائجة والعمل على قتل هذا الهيجان بتقنية تجيد العزف على المثلجات لفرض السلطان بداعي الحق الشرعي وهي نتيجة لدعوة توحيد قسري في إطار ادعاء مزعوم .

عتبة بن أبي سفيان أعلن هو الأخر لأهل مصر بأسلوب أكثر تقريعاً واشد تعنيفاً على طبيعة الاستخلاف الأموي واستراتيجية تعاملها خصوصاً مع الخصوم " لا تمدوا الأعناق إلى نيرنا فأنها تنقطع دونها " ليركز فيهم الرغبة الى عدم الانفلات عن هذا التعسكر وليدفع بهم إلى أزمة نتيجتها تقويض الجوهر النفسي والفكري وتمويلهم بحساسية كفيلة بأن تغير نسيجهم الاجتماعي ومن ثم تحويلهم الى هشاشة منفرطة من الخوف والضعف تستحكم إراداتهم أينما كانوا !! وبالتالي تغيير المدركات المفهومية للقواعد الجماهيرية وانشاء مدركات ومنظومات جديدة ضمن برامج البث الخطابي ـ التهديد ـ التقريع ـ التعنيف - القائم على تفعيل قوة الآلة .

ومن الطبيعي لهذا التيار إن يحدث شرخاً كبيراً في المنظومة الإسلامية لأنه يتجاوز الخط العقلي والمفهوم المنطقي ويصنع وعياً موهوماً يقود لنرجسية ثورية تنتج الفوضى وتغييب الوعي وسيطرة اللامنطق واللامركز " الناس على دين ملوكهم " وبالتالي تقليب الكثير من المفاهيم الراسخة في الوعي الى فوضى تنشر الانفعال وتؤسس سلوكيات الانشقاق والانحلال لتسهيل محاكمة التعسكر الطبيعي للحركة الشعبية تحت القيادة المعصومة ومن ثم القضاء عليها بأساليب أكثر دموية وقمعية أو تحويلها إلى كائنات أخرى تنمو في ظروفها الغير طبيعية وان استلزم ذلك إنهاك الساحة الإسلامية   والدفع بالمشروع الإسلامي الى مزيد من التحزب والانحلال ما دامت السلطات الحاكمة تحاكم باسم الإسلام للقضاء على الإسلام بالة الإسلام .

والنتيجة !!! ... تدوير المنحى الإسلامي لصالح السلطة الحاكمة وإنشاء منظومات من المفاهيم والأفكار والنظريات العقائدية باستخدام ماكنات إعلامية – شعر – قصص – حديث . تحت رعاية السلطة الحاكمة من اجل تكريس هذا المنحى وتوظيفه لخدمة المشروع السياسي ـ الديني ـ وحماية منظمو " الدعاية " بوسائل قمعية وأساليب تبريرية اصطناعية وتسويغ الأجندة الجماهيرية وإقناعها بأن الجلوس ـ مثلاً ـ والصبر على الظلم والرضا به طاعة للشرع يُؤجَر الإنسان عليه ليقتلوا بذلك الشعور " بواجب تغيير السلطان الجائر " عند القواعد الجماهيرية ويبعدوا إحساسها بالجبن عند الصبر على الظلم .

وهكذا عملوا على تقييد المنظومة الإسلامية بإرادة الحاكم صاحب الحق !! وإلصاق سلطنة الله بحكومته وأنها مهما كانت شاذة ومستبدة ومروعة فهي إرادة إلهية تجب طاعتها وقدر رباني لا يمكن تغييره ولا تبديله ومن ثم لا يمكن مواجهته والخروج عليه حتى برز آنذاك من يتهم الإسلام بتسليمه بالقضاء والقدر !!!.

أما المعسكر الثاني .. فقد شكل جانب الامتداد الطبيعي لمسار الرسالة الإسلامية عبر القيادة المعصومة وأتباعها ممن ساروا على نهجهم وبرامجهم ... والذي مثلت محوره الأساسي ثورة الطف بكل ما انطوت عليه من تنوع في ركب القواعد المنضوية تحت لوائها – هويةً وهدفاً – عبر انحداراتهم القبلية وشرائحهم الاجتماعية المختلفة ومن عمق الموقف الذي توحي به من مبدئية وإيثار وتضحية فرضها منطق الخط الشرعي ـالجهاد ـ من خلال التصدي للمعسكر الأول بكل حزم وقوة .

قوة وحجم تأثير هذا التصدي يظهر من خلال شراسة المواجهة التي شهدتها الأمة من حيث تجلي الحق بأروع صوره والباطل بأقبحها ومن حيث الاختلاف النوعي بين الإصلاح والفساد بل والسعة المصداقية بين المصلحين والمفسدين " مثلي لا يبايع مثله " ومن حيث التفاوت الكمي بين العدة والعدد ومن حيث التفاني والتضحية القصوى .

وهكذا بدأ الصراع بارز بين المعسكرين معسكر السلطة " الغاصبة " ومعسكر الحق " المغتصب " للقيادة المعصومة الذي تبنت استراتيجية تهدف بمجموعها الى التعريف بمسار الواقع الإسلامي الأصيل الأمر الذي يؤدي الى فضح زيف السلطة الغاصبة وسقوط شرعيتها وبالتالي عودة المسار الإسلامي الى موقعه الطبيعي كما بدأ في عهده النبوي وذلك من خلال جملة متبنيات أساسية: 

الأولى:

 شرعية الصراع مع السلطة الحاكمة أمر الهي يستمد فعّاليته من طبيعة الوظيفة الشرعية والتكليف الرسالي للإمام باعتباره القائد المعني والمكلف بطرح الوعي الإسلامي وتربية الأمة على المنظومة الإسلامية والقيِّم على توضيح وتعريف وتجسيد هذه المنظومة فكراً وعملاً والراعي لحقوق الأمة والمدافع عنها .

وليست لهذه الوظيفة أي ظرف دون آخر بل هي وظيفة ملازمة لواقع الإمامة في الفكر الإسلامي باعتبارها المسار الضروري لضمان استمرار الرسالة في واقع الأمة .. لهذا أشار المصطفى "صلى الله عليه وآله " في حديثه عن الحسن والحسين " على أنهما إمامان قاما أو قعدا " ليعطي دلالة واضحة للمهمة الرسالية التي يضطلع إليها كل إمام سواء أتيحت له الفرصة بممارسة دوره الطبيعي أم حالت الظروف دون ذلك .

مضافاً لذلك المسار الوظيفي الذي لم ينطلق لتحقيق أي مكسب أو امتياز ذاتي بل هو تكليف الهي لأداء الدور الموكل بكل إمام من اجل تثبيت دعائم الدين الإسلامي وتكريس معالمه الإنساني وهذا المعنى أشار له الإمام علي "عليه السلام" بقوله : " اللهم انك تعلم انه لم يكن الذي كان منا منافسةً في سلطان ولا التماس شيء من فضول الحطام ولكن لنرد المعالم من دينك ونظهر الإصلاح في بلادك فيأمن المظلومون من عبادك وتقام المعطلة من حدودك ... " .

الثانية :

الاهتمام على إحداث وعي جماهيري للقواعد الشعبية لتعريفها بشخصية الحاكم الإسلامي وبيان مواصفاته وخصائصه وأوضاعه الفكرية والقيادية من خلال المنهج القرآني والمفهوم الإسلامي الأصيل لإيضاح التصدي للسلطة الحاكمة التي تبنت مفهوماً للحاكم الإسلامي يغاير تماماً الفهم الإسلامي له ...

فالطرح النمطي لمفهوم الحاكم هو القابض للسلطة باعتباره " إرادة الله " وواجب الطاعة باعتباره " ولي الله " بعد تسلمه للحكم وعليه لابد من طاعته والانقياد له مهما أبدى من غلاسة وانحراف وعدم التزام ..

وتوجهت ذهنية الجماهير لهذا الوعي الموهوم وطرح شكل الحكم على انه " صيغة شرعية " دون التعرف على مضمونه باعتباره أمر ليس لأحد معارضته بقول أو فعل .. الأمر الذي هيّأ الفهم وأتاح للحاكم المستبد ممارسة مركزيته بكل حرية ما دام يتجلبب بجلباب شرعي يمنحه حصانة النقد والاتهام .

طبيعي لم يكن أمام القيادة المعصومة طريق سوى مواجهة ذلك المد المنحرف والوعي الخاطئ لدلالة الحكم . وبذلك تحركت القيادة لإحداث ظاهرة الخروج على الحاكم وكسر جمود الوعي من خلال نموذج عملي يهيأ للأمة دليلاً واضحاً على دجل السلطة الحاكمة وزيف ادعائها في حرمة الخروج على الحاكم وبالتالي إسقاط دلائلها والإطاحة بأركانها ودفعها عن مسار تمركزها .

وهذا ما حدث فعلاً من خلال الموقف الذي انتهجه أبي عبد الله "عليه السلام " ليبرهن للأمة جمعاء إن ادعاءات الحاكم سراب زائف يهدف الى صرف الأمة عن مسارها الطبيعي وقتل إرادتها ودورها الجهادي .

فكانت ثورته المباركة الجواب الحاسم لكل تخرصات السلطة وأعلامها وادعاءها الزائف مثلما كانت الزلزال الذي خلخل الواقع السياسي المنحرف وعصف بمفاهيمه الواهية .. الأمر الذي منحها السرعة لتعكس نتائجها على ساحة الصراع السياسي ـ الفكري ـ لمواجهة السلطة الحاكمة والتصدي لها عبر المنظومة الأصيلة التي لونت الواقع الإسلامي بالمفهوم الصحيح والصريح وعرفت القواعد الجماهيرية على طبيعة الحاكم ومنهجه المطلوب إزاء الواقع المنحرف ومثال ذلك : انتقاض عبد الله بن الزبير على السلطة الحاكمة وإعلان تمرده عليها بعد أيام الثورة المباركة" إن الحسين بن علي لم يترك لأحد عذراً " ليعكس حجم التأثير الذي أحدثته ثورة الطف على الوعي وانعكاسه على ساحة الصراع بين القواعد الجماهيرية والسلطة الحاكمة .

الثالثة :

إستراتيجية الصراع لدى المعسكرين ، معسكر السلطة " الغاصبة " ومعسكر الحق " المغتصب " اعتمد على القواعد الشعبية لكن !! بفارق الحق ..

فالسلطة الحاكمة تبنت مشروع إقالة الأمة وتزييف وعيها وسلب إرادتها ومحاكمتها بقوة الآلة لتكون أداة طيّعة توجهها كما تشاء " ما أريكم إلا ما أرى " .

في حين تبنت القيادة المعصومة رعاية حقوق الأمة والدفاع عنها وتقوية إرادتها وتنمية إحساسها وتربيتها على الأسلوب الإسلامي الصحيح وبيان دورها وتكليفها الرسالي وتعريفها على إنها صاحبة الحق إزاء رسالتها الأمر الذي شدها ودفعها للإنتهاض بوظيفتها الرسالية لتعمل على تطويق الانحراف ومواجهته .

وبذلك تكون القيادة المعصومة قد دفعت الأمة لمسار بناء الثقة في نفوس قواعدها وتقوية إرادتهم وتنمية أحاسيسهم وبالتالي تحريكهم نحو الاصطفاف والالتفاف القيادي بعدما أنهكتهم السلطة الحاكمة بتهميش دورهم وتغييب وعيهم نتيجة تضليلها وتغييبها للحقائق .

لهذا تبنت ثورة الطف اكبر مشروع إصلاحي لواقع الأمة, إصلاح يهدف لبناء الأمة وعياً وفكراً وإرادةً لتستعيد من خلال ذلك موقعها الطبيعي في توظيف دورها وتشخيص مكامن الخلل في مسارها السياسي ..

الرابعة :

حرص القيادة على توفير المناخ الملائم لإدامة حالة الصراع وإنجاحه بأفضل وسيلة ممكنة وهو من أهم الأبعاد الاستراتيجية في المنظومة السياسية .. باعتبار إن تطويق الصراع وإجهاض أدواته والعمل على تفكيك أجندته يتطلب مناخاً حياً لتفعيل حالة المواجهة مع الخصم خصوصاً إذا كان لخصم بحجم السلطة المستبدة آنذاك .

لذلك عملت القيادة المعصومة على توفير كامل المستلزمات لمواجهة تحديات السلطة والتصدي لها من خلال توجيه القواعد الشعبية عبر مسارين يهدف الأول : لإحداث نزعة عقلية جديدة مستقلة عن تلك السائدة, والثاني: لمعالجة الحالة النفسية المتدهورة وتغيير الأنماط الفكرية الجامدة وتحريك المسار الفطري للقواعد الشعبية .. وهي أمور تعتمد أساساً على قوة الإرادة وتربية الوعي الذاتي للأفراد لتحصيل الإرادة الجماعية الناشئة من تلك الارادات الفردية واستثمارها لمشروع " مواجهة السلطة الحاكمة " وذلك من خلال :

واحد : ترشيد القواعد الشعبية وتربيتها على الأساليب الفكرية للارتقاء بها الى وعي الحالة السياسية والتعرف على مفرداتها وإبعادها وملاحقة حاضناتها عبر منظومة من المفاهيم تهدف الى ربط القاعدة بالفكرة والمنظور والمشروع الإسلامي المطلوب .

لهذا حرصت القيادة المعصومة على توفير حملة فكرية شاملة وبمختلف الأساليب المتاحة وتوظيف الكثير من أتباعهم الواعين لها .. فكان لكل إمام منهجه وسلوكه ومساره المميز بغية تحقيق ذلك الهدف عبر " صناعة مستوى الوعي المميز " بين مرابط الأمة وتحويلها الى امة " واعية بجوهرها الرسالي والفكري والسلوكي " من خلال تدجينها وتحصينها فكرياً وعقائدياً ..

اثنان : تحديث حالة التفاعل الفكري والإرادي معاً وذلك من خلال برامج تهدف " للإصلاح المسار النفسي والإرادي " و " تغيير الأخاديد والأنماط الفكرية الجامدة " التي دجنتها السلطة الحاكمة في نفوس القواعد الشعبية لتمشية مشروعها السياسي ـ الفكري, والدفع به على حساب تحطيم المسار النفسي والإرادي وبالتالي تحطيم المواجهة وتضييع الحق والتكليف الشرعي للقواعد الشعبية .

القيادة المعصومة أدركت خطورة هذا المنحى الذي يلف واقع الأمة لذلك انطلقت بقيادة أبي عبد الله الحسين " عليه السلام " باعتباره المسؤول الأول والراعي الأكثر تكليفاً في إدارة الأمة ومراقبتها وتقويم ارتدادها وتصحيح انحرافها لتشخيص الوصفة التي تتكفل بإعادة حيويتها ودورها المفقود وبناء المستوى النفسي لقواعدها الجماهيرية من خلال النموذج العملي " ثورة الطف " التي أسست قاعدة تهدف لخلق جواً ومناخاً حراً تتفاعل في أجواءه المفهوم والمنظور والفكرة ولتعطي المدى الأبعد في تفعيل حالة الصراع من خلال وضع استراتيجية الثورة في مكانها الصحيح وعلى يد قادتها وأتباعها الواعين في زمن ما بعد الثورة .

التاريخ أكد هذا الحرص ، حرص القيادة على إدامة الأجواء الثورية وبشكل مكثف من خلال ربط القواعد الجماهيرية باستراتيجية الثورة وأساليبها وكيفية استمرارها حتى استطاعت تلك القواعد ومن خلال تفاعلها وانسجامها مع الثورة أن تضيق الخناق على طبيعة الاستبداد وتفتح منافذ أكثر تحرراً لحركة المنظومة الإسلامية بإسلوب تسخين الأجواء الثورية التي أفرزتها الثورة, ومن ثم توظيفها واستثمارها في صناعة جيل ثائر باستمرار بقية الأئمة ( عليهم السلام ).

الأمر الذي سجل نجاحاً في مستوى الصراع لصالح الإسلام وأحدث تفاعلاً رائعاً للاصطفاف مع كل الشعارات الهادفة الى إسقاط مركزية السلطة كالاصطفاف الشعبي مع شعارات " البيعة للرضا من آل محمد " التي أعلنها المعسكر العباسي واستثمره للقضاء على المعسكر الأموي والإطاحة بسلطته الأمر الذي أعطى الحكام درساً في قوة التأثير الذي يحدثه المناخ الحسيني في نفوس وارادات القواعد الجماهيرية .

 كيف نتعامل مع تجربة القيادة المعصومة " ثورة الطف "

 تجربة الطف تتـرأس صدارة الموقع من بين كل التجارب التي عملت على انتشال الواقع المأساوي للأمة وتحفيز مسارها وتعريفها على دورها وتكليفها ووضيفتها الرسالية بعد ما فقدت مقوماتها الذاتية في المواجهة وغزتها الكثير من الأفكار والنظريات الخاطئة حول طبيعة الصراع مع السلطات الحاكمة حتى أضحت ظاهرة الاستسلام لقدرية الأيام سمة واضحة وعلامة بارزة تستحكم مسيرة قواعدها الجماهيرية وهي تشاهد مشاهد الظلم والاستبداد والتحزب والانفراد تحت مظلة الكثير من المنظومات الفاسدة التي قوضت جوهرها الفكري والنفسي العام واستنزفت طاقاتها عبر تسويفها للقيم والمفاهيم وتحويلها إلى فوضى تنشر الانفعالات وتؤسس سلوكيات التعصب والتشدد غايتها قمع الحركة الجماهيرية وإقصاء التعسكر الطبيعي تحت القيادة المعصومة واغتيال زمنها ووعيها وسلخ قناعاتها بالإكراه لفرض أهدافها وسلطانها وإعلان مركزيتها عبر امتهان الكرامة الإنسانية واغتيال هويتها وتحطيم جوهرها "لان هلكت لنسترقن َّ من بعدك" تعكس مدى انهيار الداخل الذاتي الذي أحدثته السلطة الحاكمة في استحكام المنافذ الجماهيرية مما قاد عمليا - فيما بعد- إلى ترتيب المقدسات ثانويا بعد الضرورات السياسية حين استهدفت السلطة الحاكمة ثورة عبد الله بن الزبيـر وهاجمت المقدسات واستباحتها "مكة المكرمة والمدينة" كمخطط استراتيجي يعطي رسالة واضحة لكل القواعد الجماهيرية المعارضة أما أن تقيل الذل أو الموت ولا خيار بينهما ...

ولا اعتقد إن هذا يتنافى مع إستراتيجية السلطة الحاكمة ولا هو بحاجة إلى رافعة دينية أو عقائدية لمن قرأ عن ابن زياد " مثلا " كيف يحاور زينب (عليها السلام )

" النموذج الفذ للمرأة "بقوله: ( الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم واكذب أحدوثتكم )

وهي ترده بقولها :

 (الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد وطهرنا تطهيـرا إنما يفضح الفاسق ويكذب الفاجر) وينكر عليها : كيف رأيتِ صنع الله بأهل بيتك!

فتجيبه عليها السلام :

(كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتختصمون عنده) حتى غضب فأعلـن تشفيه وحقده : " قد شفي الله غيضي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك"

بذلك المنطق عملوا على تبني مشروع تحريف المقدسات وتطويعها بما يلائم إستراتيجية سلطانهم !!

وبقيت القواعد الجماهيرية تعيش تحت ضلال تلك المنظومة الفاسدة تستحكم إرادتهم وتزيف وعيهم وتسلخ قناعاتهم من مسؤولية تكليفهم في الدفاع عن مقدساتهم حتى إحداث الوعي الثوري والتعاقـب الزمني الذي أحدثته تجربة الطف على مسار الصراع السياسي ـ الفكري, فظهرت ثورة عبد الله بن الزبير وابن الأشعث ومصعب بن الزبير وثورة المختار التي تعتبر الرد المباشر على مقتل المعصوم وان جاءت متأخرة إلا إنها منحت القواعد الجماهيرية فرصة التكفير عن ذنوبهم وتقاعسهم في نصرة المعصوم. .

وبعد كل تلك الثورات بقيت تجربة المعصوم "ثورة الطف" تعيش الفضاء الأحادي الذي تنتعش فيه الحالة الوجدانية دون أن تختمر لتضحى مناخا تتفاعـل فيه الفكرة والعاطفة معا كما هو الحال في عصر القيادة المعصوم التي عملت على إعداد هذه التجربة من أول معصوم دعا إلى فتح باب التهيئة وإحداث الوعي حينما مازج "الدمعة" بـ "الفكرة"

إلى رسم الإستراتيجية وانتخاب قياداتها العسكرية إلى تفعيل الوعي السياسي إلى بيان اليوم التاريخي حتى أخرهم "عليهم السلام" عملوا على توظيف تلك التجربة وإعلان نتائجها واستثمارها بالشكل الذي يثـري الأنشطة والمستويات ويبقيها حية فاعلة في النفوس بما تحمله من مسار تقدمي شمولي وليس انغلاقا عنصري لمكون دون آخر . .

"ما خرجت بطرا ولا أشرا ولا ظالما ولا مفسدا وإنما خرجت لإصلاح امة جدي محمد (صلى الله عليه وآله) ولأأمر بالمعروف وأنهى عن المنكـر"

إصلاح أحدث الكثير من المتغيرات والمكتسبات في الدواخل الذاتية والاجتماعية والأخرى المعارضة وفتحَ مسارات وأخاديد وافرز أنماط حولت التاريخ إلى مجرى آخر بعد أن قلب الأحداث "عقبا على رأس" بعد أن كانت "رأسا على عقب"

وبعد زمن القيادة المعصومة وما تعرضت له القواعد الجماهيرية من تغييب وتقتيل للوعي وتفكيك للاصطفاف بسبب الحظر الذي أفرضته السلطات الحاكمة فأن الكثير من المفاهيم والأفكار فقدت إلماعيتها وجوهرها الأساسي حتى أضحت "ثورة الطف" هي الأخرى ضحية لذلك الحظر لفصـل دورها - بالتأكيد- عن واقعها وتضييقه وحبسه بالجانب المأساوي وبالتالي استنزاف رصيدها الهائل الذي تركته موروثا للأمة مازال لحد الآن بحاجة إلى قسام يملك الإدارة والصناعة لصناعة امة لا على أساس كيف تكون مظلومة فتنتصر !!! بل على أساس كيف تكون إنسانة فتتعامل ؟!!

تتعامل تعامل المعصوم في يومياته ومنهجه وتجربته ومنظومته التي تشكل استثمارها وترشيدها عامل إثارة وتحفيز وانطلاق لتغيير حياة هذه الأمة واسترجاع دورها وتحريكها والدفع بها نحو مسار أكثر رفاه وأكثر حياة وأكثر انسيابية وارتماء في مستقبل يحمل معالمه على أساس فكرة قابلة للوجود والتحقق تتخلق فيها من معالم الجهل والاحتراب والاقتتال والاغتصاب والتعذيب والاستعباد والعـزلة والسخرية الاضطهاد والإرهاب وكل ما وجدت تعبيرها الأمثل في ذلك العار الإنساني الذي يُدعى "العنف"

إلى معالم تستعيد وجودها التي تدرك بفطرتها وذاتها إنها كرامة وحرية ورفاه عبر منطلقات تقف أمام ذلك الانجاز المقدس الذي مثلته تجربة الطف بكل ما تمتلك من أبعاد ودلالات وما تختزله من معانٍ هائلة وفاعلة تمتلك القدرة على قلب كل المعادلات والأيدلوجيات الدخيلة والعارضة على حياة هذه الأمة وما تحدثه من تأثير فاعل على ضوء معطيات الواقع المعاصر وتفعيل مضامينها في إطار المنظومة الإسلامية بغية عودة التجـربة إلى موقعها الطبيعي لاستثمار عطاءاتها في توعية الذوات الإنسانية وتحقيق مبتغى الدين الإسلامي وتطبيق أحكامه ..

لا على أساس تبني ضيق النظرة والزاوية والمنطلق الذي لم يدفع بـ "المهاتما غاندي" لان يقول:

"تعلمت من الحسين بن علي كيف أكون مظلوما فانتصر"

 فضلا عن امتلاكه أدنى رصيد لان يحرك شعرة واحدة من غاندي !!! فغاندي بقي على هندوسيته حتى بعد أن  اخذ معالم أصول الانتصار من المعصوم فانتصـر.

وان دل هذا الشيء فيدل على المدى الأبعد للاذعان بان المعصوم اكبر من اكبر كل التصورات والأطروحات والأيدلوجيات والمنظومات التي تحكم "الجزر المنعزلة" التي لا ترى إلا ذواتها ووجودها ما زالت عاجزة لحد الآن عن تحقيق هدف القيادة المعصومة في بناء الحياة الإنسانية فضلا عن معرفة هدف المعصوم والتعرف على منظومته التي عجزت كل الأمم والحضارات أن توقع بالمعصوم غير وقوعها هي وموتها وبقي المعصوم حقيقة تعلوا الزمن لا يعرف الموت إليها سبيـل رغم كل الإضافات الحضارية ..

(*) مركز الدراسات والتطوير لحركة الرفاه والحرية   ( dirasat@alrafah.org )

 

 

 

 
 
 

أعلى